ابراهيم بن عمر البقاعي

109

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يفرق لك فيه أمر ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : لو كتم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية « 1 » . ولما علم من هذا أنه سبحانه أخبره بأن زيدا سيطلقها وأنها ستصير زوجا له من طلاق زيد إياها ، سبب عنه قوله عاطفا عليه : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً أي حاجة من زواجها والدخول بها ، وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه به يعرف أنه لا حاجة له فيها ، وأنه قد تقاصرت عنها همته ، وطابت عنها نفسه ، وإلا لراجعها زَوَّجْناكَها ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها ، تشريفا لك ولها ، بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به ، وسرت به جميع النفوس ، ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه ، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي اللّه عنه قال : لما انقضت عدة زينب رضي اللّه عنها قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لزيد : اذهب فاذكرها علي ، فانطلق زيد رضي اللّه عنه حتى أتاها وهي تخمر عجينها ، قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن انظر إليها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكرها ، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت : يا زينب ! إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يذكرك ، قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن ، وجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل عليها بغير إذن ، قال : ولقد رأيتنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار ، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون « 2 » فذكره ، وسيأتي . وقال البغوي : قال الشعبي : كانت زينب رضي اللّه عنها تقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن : جدي وجدك واحد ، وأني أنكحنيك اللّه في السماء ، وأن السفير لجبريل عليه السّلام « 3 » . ولما ذكر سبحانه التزويج على ما له من العظمة ، ذكر علته دالا على أن الأصل مشاركة الأمة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الأحكام وأن لا خصوصية إلا بدليل فقال : لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي الذين أزالت عراقتهم في الإيمان حظوظهم حَرَجٌ أي ضيق فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ أي الذين تبنوا بهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 241 و 266 عن عائشة والترمذي 5 / 353 و 3208 عن عائشة ، وإسناده صحيح . وأخرج الترمذي في هذه الآية 3207 عن عائشة مطولا ، واستغربه ، وفيه داود بن الزبرقان : متروك ، وكذبه الجوزجاني والأزدي . ( 2 ) أخرجه أحمد 3 / 196 والبخاري 4791 و 4792 و 5154 ومسلم 1428 من حديث أنس . ( 3 ) مرسل ذكره البغوي في تفسيره 3 / 458 عن الشعبي بلا سند ، وأخرجه الطبري 28526 بإسناده عن الشعبي مرسلا . وفي قولها : « زوجني اللّه » عند الترمذي 3213 من حديث أنس ، إسناده جيد .